الملتقى الدولي حول الخريطة اللسانية الأمازيغية في الجزائر

تُعد اللغة مكونا أساسيا للهوية لدى الشعوب، ما يجعل النقاش حولها أمرا بالغ الحساسية، تسري تداعياته إلى الرأي العام وتؤثر فيه سلبا وإيجابا، وذلك يبرر إسناد هذا الامر لأهل الاختصاص من علماء اللسانيات والصوتيات للنأي بها عن الصراعات الأيديولوجية التي تعرقل ترقيتها وتطويرها. ويعتبر التعايش اللساني بين التنوعات اللسانية الأمازيغية فيما بينها من جهة، وبينها وبين اللغة العربية من جهة أخرى، من مظاهر الانسجام والتوافق التي تميز الأمة منذ قرون خلت والى يومنا هذا. باستثناء فترة ما بين بداية الاستقلال إلى تسعينيات القرن المنصرم حيث أقصيت الأمازيغية من كل الفضاءات الرسمية.
تعتبر الجزائر من الدول التي تعيش ظاهرة التعددية اللغوية، فهناك لغتان أم على مستوى مؤسسات التنشئة الاجتماعية ونعني بالذكر اللغة الأمازيغية بكل المتغيرات المتداولة عبر التراب الوطني )ويبلغُ عددها 13 متغيراً( واللغة العربية.
هذا التنوع والتعدد اللساني يستوجب الحفاظ عليه لأنه يمثل الكنز اللغوي الحقيقي الجدير بالتثمين ومن ثمة فمن الواجب عدم تركه يتعرض في العديد من مناطق الوطن للتلاشي. انه مهدد بالاندثار إن لم نُفَعِّل بجدية ومنهجية مضبوطة كل الآليات المؤسساتية لتدوين واستغلال هذا الموروث الشفهي في صيغته الأصلية.
وعليه، لابد من تكريس سياسة لغوية نابعة من الواقع السوسيوأنثروبولوجي المتميز بالازدواجية اللغوية: اللغة الأمازيغية/اللغة العربية وهو مبرر كافي لإقرار القطيعة مع المنظور الأيديولوجي السائد في هذه المسألة التي هي أصلا موروث الحقبة الاستعمارية.
والتاريخ يؤكد لنا أن تواجد الأمازيغية بجانب العربية و تعايشهما لقرون خلت شكل نوعا من الانصهار بين هذين المكونين للهوية الوطنية ولم يكونا في يوم ما مصدرا من مصادر التفكك والاصطدام المجتمعاتي الذي يمنع التواصل ويهدد الأمن الهوياتي.
إن هدف المحافظة السامية للأمازيغية في هذا المجال هو تطوير كل المتغيرات المبنية أساسا على نفس القواعد النحوية-التركيبية التي هي العمود الفقري للغة، وأنظمة فونولوجيا متقاربة، ومساحة مفرداتية عريضة مشتركة. يتم التكفل بكل منها في حيزها الجغرافي الطبيعي، باعتبار هذه المتغيرات هي الجذور المغذية للغة جامعة – ما تزال في طور التهيئة- وأهم ما يساهم في تكوينها الإعلام والمدرسة والإنتاج الأدبي والفني. وتاريخ تطور اللغات في العالم يذكرنا بان المتغيرات المحدودة الاستعمال أصلا هي أم اللغة الجامعة المتطورة التي تشحن كل المعارف والعلوم.
وقد عرفت العديد من الدول تجارب من هذا القبيل، ففي بلجيكا مثلا؛ تتعايش الفرنسية، والهولندية و الألمانية كلغات رسمية. وفي سويسرا تتعايش الألمانية والفرنسية والايطالية والرومانية. هذا التعايش لا يقتصر على الدول المتطورة فحسب، بل هناك دول نامية تعيش وضعا لسانيا مشابها. ففي نيجيريا مثلا؛ ثلاث لغات محلية أساسية الإغبو في الجنوب الشرقي، اليوروبا في الجنوب الغربي والهوسا في الشمال، ولكن تم اعتماد اللغة الإنجليزية لغة رسمية من أجل الحفاظ على الوحدة اللسانية للبلد.
إن مسألة وضع خريطة لسانية أمازيغية بالجزائر تعد محطة مهمة لبعث مخطط شامل وضروري يترجم ترسيم الأمازيغية في الميدان، كون هذه الخريطة تشكل الأرضية لانطلاق أي سياسة لسانية مبنية على أسس علمية ممكنة التجسيد على أرض الواقع. ولعل الجهود المبذولة من طرف الدولة الجزائرية من أجل ترقية اللغة الأمازيغية بكل تنوعاتها ورد الاعتبار لها مقبولة إلى حد كبير، خاصة من ناحية التشريعات والنصوص القانونية، في انتظار أن تواكبها جهود علماء اللسانيات والباحثين الأكاديميين، للوصول بالثقافة واللسان الأمازيغيين بتنوعاتها المختلفة إلى المكانة التي تستحقها مع إزالة العراقيل على مستوى الإدارة وتوفير الإمكانيات المادية التي تتطلبها هيكلة اللسان وتوظيفه في المجتمع. ويجب تثمين وتوظيف ذكي لما قد تحقق في الميدان وتم نشره من بحوث أكاديمية وإنتاج أدبي وفني.
إن الوصول إلى وضع خريطة لسانية أمازيغية دقيقة بإشراك كل المختصين الفاعلين في هذا الميدان من شأنه الإسهام في وضع إستراتيجية ناجعة لتطوير وترقية اللسان الأمازيغي في الجزائر بصفة خاصة وعلى مستوى المغاربي والإفريقي.
من هذا المنطلق أدرجت المحافظة السامية للأمازيغية في برنامج نشاطاتها لسنة 2020 فكرة تنظيم ملتقى علمي حول الخريطة اللسانية الامازيغية في الجزائر بالشراكة مع الجامعة الإفريقية أحمد دراية أدرار والأكاديمية الإفريقية للغات.
في الأخير لابد من التذكير بأن مظاهر التعايش اللغوي في المجتمع الجزائري متجذرة في التاريخ،إذ عرفت بلادنا الشاسعة احتكاكا حضاريا قويا وتعاقب الكثير من الثقافات والحضارات أغنت الهوية الوطنية وكرست عبقرية الانفتاح لديه بعيدا عن كل انغلاق وتزمت.

 

الدخول الى موقع الملتقى ( العربيةالإنجليزيةالفرنسية)

 

 

مقالات ذات صلة ...